صديق الحسيني القنوجي البخاري

52

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل التكوير اللف واللي ، وقال ابن عباس : يكور يحمل ، والإشارة بهذا التكوير المذكور في الآية إلى جريان الشمس في مطالعها ، وانتقاص الليل والنهار ، وازديادهما . قال الرازي : إن النور والظلمة عسكران عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا . ثم ذكر تسخيره لسلطان النهار وسلطان الليل وهما الشمس والقمر فقال : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي جعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ثم بين كيفية هذا التسخير فقال : كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وذلك يوم القيامة : وقد تقدم الكلام على الأجل المسمى لجريهما مستوفى في سورة يس . أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ألا حرف تنبيه ، وتصدير الجملة بها لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها . والمعنى تنبهوا أيها العباد فاللّه هو الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة ، ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته وبديع صنعته فقال : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نفس آدم ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها جاء بثم للدلالة على ترتب خلق حواء على خلق آدم وتراخيه عنه لأنها خلقت منه ، والعطف إما على مقدر وهو صفة لنفس قال الفراء والزجاج : التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة ، ثم جعل منها زوجها ، ويجوز أن يكون العطف على معنى واحدة . أي من نفس انفردت بالإيجاد ثم جعل الخ ، والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم أدخل في كونه آية باهرة ، دالة على كمال القدرة ، لأن خلق آدم هو على عادة اللّه المستمرة في خلقه ، وخلقها على الصفة المذكورة لم يجر به عادة لكونه لم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها ، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الأعراف . ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته الباهرة وأفعاله الدالة على ما ذكر فقال : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ عبر بالإنزال لما يروي أنه خلقها في الجنة ، ثم أنزلها فيكون الإنزال حقيقة كما قيل في قوله وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 25 ] فإن آدم لما أهبط إلى الأرض أنزل معه الحديد ، ويحتمل أن يكون مجازا ؛ لأنها لما لم تعش إلا بالنبات والنبات إنما يعيش بالماء ، والماء منزل من السماء ، كانت الأنعام كأنها منزلة لأن سبب سببها منزل . وهذا يسمى التدريج ، ومنه قوله تعالى قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً [ الأعراف : 26 ] وقيل : إن أنزل بمعنى أنشأ وجعل ، أو بمعنى أعطى ، وقيل : جعل الخلق إنزالا لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء . ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ هي ما في قوله مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ و مِنَ الضَّأْنِ